ابن كثير
290
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال : لا ينصرف عنه منصرف ، وهو يرى أنه قد قضى منه وطرا . وحدثني « 1 » يونس عن ابن وهب قال : قال ابن زيد وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ قال يثوبون إليه من البلدان كلها ويأتونه ، وما أحسن ما قاله الشاعر في هذا المعنى أورده القرطبي « 2 » : [ الرمل ] جعل البيت مثابا لهم * ليس منه الدهر يقضون الوطر وقال سعيد بن جبير في الرواية الأخرى وعكرمة وقتادة وعطاء الخراساني مَثابَةً لِلنَّاسِ أي مجمعا وَأَمْناً قال الضحاك عن ابن عباس : أي أمنا للناس . وقال أبو جعفر الرازي : عن الربيع بن أنس عن أبي العالية وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً يقول وأمنا من العدو وأن يحمل فيه السلاح ، وقد كانوا في الجاهلية يتخطف الناس من حولهم وهم آمنون لا يسبون ، وروي عن مجاهد وعطاء والسدي وقتادة والربيع بن أنس قالوا : من دخله كان آمنا . ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية أن اللّه تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفا به شرعا وقدرا ، من كونه مثابة للناس ، أي جعله محلا تشتاق إليه الأرواح ، وتحن إليه ، ولا تقضي منه وطرا ولو ترددت إليه كل عام استجابة من اللّه تعالى ، لدعاء خليله إبراهيم عليه السلام ، في قوله فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، إلى أن قال : رَبَّنا وَتَقَبَّلْ دُعاءِ [ إبراهيم : 40 ] ويصفه تعالى بأنه جعله آمنا من دخله أمن ، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنا ، وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه ، فلا يعرض له ، كما وصف في سورة المائدة في قوله تعالى : جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ [ المائدة : 97 ] أي يدفع عنهم بسبب تعظيمها السوء ، كما قال ابن عباس : لو لم يحج الناس هذا البيت ، لأطبق اللّه السماء على الأرض ، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا ، وهو خليل الرحمن ، كما قال تعالى : وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً [ الحج : 26 ] . وقال تعالى : إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ . فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [ آل عمران : 96 - 97 ] وفي هذه الآية الكريمة ، نبه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده . فقال وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى . وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو ، فقال ابن أبي حاتم : أخبرنا عمرو بن شبة النميري ، حدثنا أبو خلف ، يعني عبد اللّه بن عيسى ، أخبرنا داود بن أبي هند عن مجاهد عن ابن عباس وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قال : مقام إبراهيم الحرم كله . وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك . وقال أيضا أخبرنا الحسن بن محمد بن الصباح ، حدثنا حجاج عن ابن جريج ، قال : سألت عطاء عن وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى فقال سمعت ابن عباس قال : أما مقام
--> ( 1 ) تفسير الطبري 1 / 582 . ( 2 ) تفسير القرطبي 2 / 110 .